أحمد بن سهل البلخي
411
مصالح الأبدان والأنفس
تتولّد منه . وهكذا حال الماء إذا أخذه العطشان ، فإنّه إذا مصّه مصّا ، أو تجرّعه تجرّعا ، كان أقطع للعطش من أن يعبّ فيه عبّا . ومنها أنّ هذا المذهب في الاغتذاء أبعد من التشبه بأكل الحيوانات الأخر ، فإنّ عامّتها تأكل بشره ونهم وعضّ ونهش وجذب قبيح ؛ فينبغي للإنسان أن يجتهد كلّ الاجتهاد في مجانبة التشبه بها في مطعمه ، ويتوخّى ألا يقع أبصار المواكلين من صاحب هذا « 1 » المذهب / على هيئة تستقذر ويتقزّز منها . ومنها أنّ الآخذ نفسه بهذه العادة إذا كان رئيسا يؤكل عنده ، أو صاحب دعوة تهيّأ له أن يمدّ زمان الأكل حتى يفرغ مواكلوه من حاجتهم ، ويستوفوا شبعهم ، ولا ينتهي قوته قبلهم ، فيمسك عن الأكل ، فيحشم أصحابه ، ويدعوهم إلى الامتناع من الأكل دون بلوغ الحاجة ، فمن رزق هذه العادة من نفس طباعه ، كان له فيه نفع وزين ، ومن عدمها ، وجب عليه أن يروّض نفسه بها ؛ ليأخذ منها بحظ يزينه وينفعه . ومن مصالح البدن في باب الطّعم أن يجتنب الإنسان - بجهده - الأكل على حال قلق ، من غضب أو غمّ أو خوف شديد يتمكّن منه ، وما أشبه ذلك من الأعراض النفسانيّة ؛ فإنّه لا يكاد يستمرئ مع تسلّط بعض الأعراض عليه شيئا يأكله ، ولا يكاد ينتفع به ؛ لأنّ الطبيعة لا تقبل مع هذه الأحوال غذاء على وجهه ، ولكن يجب أن / يؤخّر الطّعم ويتربّص به زوال هذه الأعراض ، أو أن يقلّ ويحتال لصرفها والتشاغل عنها بغيره حتى يكون أكله على هدوء من الطبيعة ، وطمأنينة من النفس ، ويجتهد مع ذلك أن يسرّ نفسه بمحادثة المواكلين ، ومؤانسة المنادمين ؛ فإنّ ذلك ممّا يعين على نجوع الغذاء في البدن ، وجودة انهضامه ؛ ومن أجل ذلك كانت العادة جرت من الملوك بألا يأكلوا ولا
--> ( 1 ) ساقطة من ب .